من هنا تنطلق التقنية إلى تطبيق أكثر عمقًا لأسواق المال وهو "الترميز" (Tokenization) ولكي نوضح الأمر، فالترميز لا يعني تحويل الأصل إلى عملة مشفّرة، ولا اختراع قيمة جديدة من العدم، بل يعني منح هوية رقمية موثقة لحق مالي قائم بالفعل في العالم الحقيقي، كأن يكون هذا الحق وحدة استثمارية في صندوق نقد أو حصة في أصل مالك، في السيناريو التقليدي، تتوزع بيانات الملكية بين سجلات منفصلة لدى مدير الاستثمار والبنوك الحافظة وشركات التسوية مع عمليات مطابقة يدوية تستغرق وقتًا وجهدًا، أما في نظام الترميز، فتتحول الوحدة إلى رمز رقمي يحمل بداخل كوده المبرمج كامل تاريخ الوحدة وهوية مالكها وحقوقها المالية، مما يجعلها قابلة للإصدار والنقل والاسترداد والتدقيق في ثوانٍ معدودة.
تأتي التجربة التي نخوضها اليوم في شركة "جرانيت القابضة" بالتعاون مع شركة "ترمييز" (Tarmiiz)، وتحت مظلة البيئة التنظيمية التجريبية (Regulatory Sandbox) التابعة للهيئة العامة للرقابة المالية، لتطبيق هذا المفهوم على صناديق أسواق النقد باعتبارها شرايين السيولة اليومية للأفراد والمؤسسات. إن نقل سجلات ملكية هذه الصناديق إلى بنية رقمية مشتركة يعني إدارة عمليات الاشتراك والاسترداد بكفاءة أعلى، وتمكين الهيئة الرقابية من متابعة النشاط بصورة مباشرة ولحظية، مع بقاء كافة الضوابط وحماية المستثمرين في صلب العملية.
منظومة مالية متكاملة
إن الفائدة المحتملة لهذه الخطوة تتجاوز المصطلحات التقنية لتنعكس مباشرة على كفاءة السوق ككل، فالجهة الرقابية تحصل على نافذة متابعة مباشرة تقضي على الحاجة للمطابقات اليدوية وتسهل اكتشاف الأخطاء أو التلاعب، بينما تستفيد المؤسسات المالية من خفض التكاليف التشغيلية والمخاطر البشرية، أما المستثمر فيحصل على تجربة أسرع، وشفافية مطلقة في تتبع ملكيته، وثقة أكبر في سلامة أصوله، مع تقليص زمن تنفيذ المعاملات المادية من أيام وساعات إلى دقائق معدودة، ومع نضج النموذج، سيمتد الأثر لربط الأصول المرمزة بخدمات مالية أخرى كاستخدام الوحدات كضمانات لحظية للتسهيلات دون المساس بقواعد الامتثال ومكافحة غسل الأموال.
لكن علينا أن نكون واقعيين، فالبلوك تشين ليس عصا سحرية تطبق فتختفي المشكلات تلقائيًا، بل نجاح تقنية الترميز يتطلب قواعد قانونية واضحة تنظم التعامل مع السجلات الرقمية، وأمنًا سيبرانيًا قويًا، وحوكمة دقيقة تحدد صلاحيات الوصول والتدخل، ومن هنا تكتسب تجربة "جرانيت" و"ترمييز" قيمتها الحقيقية، كونها تختبر التكنولوجيا داخل إطار رقابي مصري يضمن الامتثال الكامل قبل الإطلاق التجاري الشامل.
إن تجربة ترميز صناديق أسواق النقد هي مجرد ضربة البداية نحو منظومة مالية متكاملة تعتمد على الأصول المرمزة، وفي المستقبل القريب، سيمتد هذا المفهوم ليغطي مجالات استثمارية أوسع، مثل تجزئة الأصول العقارية لإتاحة الفرصة لصغار المستثمرين لشراء حصص مرمزة في مشاريع ضخمة، وإصدار أوراق الدين والسندات والصكوك المرمزة لخفض تكلفة التمويل للشركات، فضلًا عن تسهيل تدفقات السيولة الذكية عبر الحدود لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، حيث تمتلك مصر مقومات استثنائية لتكون مركزًا إقليمياً للتكنولوجيا المالية الابتكارية، وما نقوم به اليوم هو وضع حجر الأساس لجيل جديد من الخدمات المالية غير المصرفية الذي يقود مستقبل المنطقة.